محمد طاهر الكردي
30
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
فأضرم نار تبيينه في أحشاء قرينه . فعندها قال القنديل : لقد أطلت الافتخار بمحاسن غيرك ، لما وقفت في المناظرة ركائب سيرك ، فاشكر اليد البيضاء من شمعك ، واحرص على معرفة قيمتك ووضعك ، وأما افتخارك بتلاوة سورة النور ، فأنا أحق بها منك إذا محلى الجوامع ، والفرقان بيني وبينك مع أنه ليس بيننا جامع ، ففضيلتي فيه بينة ، وآية نوري في سورة النور بينة فاقطع مواد اللجاجة ، واقرأ الآية المشتملة على الزجاجة ، يظهر لك من هو الأعلى ، ومن بالافتخار الأولى تخالني درة علقت في الهواء أو كوكبا من بعض كوكب الجوزاء وللّه در القائل : قنديلنا فاق بأنواره * نور رياض لم تزل مزهره ذبالة فيه إذا أوقدت * حكت بحسن الوضع نيلوفره لا يحمل الأقذاء خاطري ، ولا يغتم مشاهدي وناظري ، فأنا خلاصة السبك ، والتبر الذي لا يفتقر إلى الحك ، اشتقاق اسمك من النحوس ومن حرمك تقام هياكل الفلوس ، لقد عرضت نفسك للمنية ، وانعكست عليك مواد الأمنية ، مع أن الحق أوضح من لبة الصباح ، وأسطع من ضوء المصباح ، والآن غصصت بريقك وخفيت لوامع بروقك ، فهذه الشهباء والحلبة ، وهذه ميادين المناضلة رحبة . فحار الشمعدان في الجواب ، وجعل ما أبداه أولا فصل الخطاب فقال القنديل : لا بد من الإقرار بأن قدحي المعلى ، وأني عليك بالتقديم الأولى ، وأن مقامي العالي ، ونوري المتوالي . فقال الشمعدان : لا منازعة فيما جاء به الكتاب من تفضيلك ، وكونك الكوكب الدري الذي قصر عن بلوغك باع مثيلك . فجنح الشمعدان للسلم ، وترفع عن استيطان مواطن الإثم ، وشرع يبدي شعائر الخضوع ، وينشر أعلام الأوبة عما قال والرجوع ، وقال : لولا حمية النفوس ، ما تجملت بمفاخرنا صفحات الطروس ، ولولا القال والقيل ، ما ضمنا معرض التمثيل ، ولكن أين صفاؤك من كدري ، وأين نظرك من نظري ، خصك اللّه بنوره ، وذكرك في فرقانه وزبوره . فعندها تهلّلت أسارير القنديل ، وتبسم فرحا بالتعظيم والتبجيل ، وقال : حيث رجعنا إلى شرع الإنصاف ، وإظهار محاسن الأوصاف ، ففضلك لا يبارى ، ووصفك لا يجارى يحسبك الرأي خميلة نور تفتحت أزهارها ، وحديقة نرجس